القرطبي

221

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فلما كان يوم أحد انهزموا ، وكان منهم من تجلد حتى قتل ، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك ، فإنه قال لما انكشف المسلمون : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، وباشر القتال وقال : إيها إنها ريح الجنة ! إني لأجدها ، ومضى حتى استشهد . قال أنس : فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة . وفيه أمثاله نزل " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " [ الأحزاب : 23 ] ( 1 ) . فالآية عتاب في حق من انهزم ، لا سيما وكان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة ، وسيأتي . وتمني الموت يرجع من المسلمين إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد ، لا إلى قتل الكفار لهم ، لأنه معصية وكفر ولا يجوز إرادة المعصية ، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة ، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل . قوله تعالى : ( وأنتم تنظرون ) قال الأخفش : هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله : " فقد رأيتموه " مثل " ولا طائر يطير بجناحيه " [ الانعام : 38 ] ( 2 ) . وقيل : معناه وأنتم بصراء ليس في أعينكم علل ، [ كما ] ( 3 ) تقول : قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك علة ، أي فقد رأيته رؤية حقيقة ، وهذا راجع إلى معنى التوكيد . وقال بعضهم : " وأنتم تنظرون " إلى محمد صلى الله عليه وسلم . وفي الآية إضمار ، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلم انهزمتم ؟ . قوله تعالى : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ( 144 ) فيه خمس مسائل : الأولى - روى أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحد حين صاح الشيطان : قد قتل محمد . قال عطية العوفي : فقال بعض الناس : قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم فإنما هم إخوانكم . وقال بعضهم : إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 158 . ( 2 ) راجع ج 6 ص 419 . ( 3 ) في ب ود وه‍ .